في عام 2026، تحتفل الفوتوغرافيا بمرور مئتي عام على ولادتها؛ مئتا عام منذ أن نجحت لأول مرة في تثبيت الضوء وتحويله إلى أثر دائم. واليوم، تجد الصورة نفسها في لحظة توتر وجودي صامت. ففي عصر يمكن فيه توليد الصور بالسهولة ذاتها التي تُلتقط بها، لم يعد السؤال كيف نصنع الصور، بل ماذا تعني. هذا التوتر هو ما يشكّل الأساس لمشروع The Image Tellers، تعاون جديد بين المصوّر الإماراتي حسين الموساوي والفنانة السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي منى القويز، بتكليف ضمن برنامج Made of Makers التابع لـ Jaeger‑LeCoultre. معاً، يقترحان إعادة معايرة للفوتوغرافيا، ليس بوصفها فعلاً توثيقياً ثابتاً، بل كحوار متحوّل بين الذاكرة والخيال.

يرتكز هذا التعاون على فكرة الصورة كجسر عبر الزمن. تبدأ ممارسة الموساوي من الملموس؛ عدسته تنجذب إلى هندسيات منسية في المشهد الحضري الإماراتي، إلى تفاصيل معمارية وشذرات زخرفية، وإلى الشعرية الهادئة للبيئات المبنية التي غالباً ما تتوارى خلف الحياة اليومية. أما القويز، فتعمل في نطاق استشرافي افتراضي؛ باستخدام أدوات رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تمدّ هذه اللحظات الفوتوغرافية نحو مستقبل متخيَّل، محوّلة الأشكال المألوفة إلى بيئات غامرة تنتمي إلى عوالم أخرى. تنحني العمارة، تتمدد وتُعاد صياغتها، وينطوي الزمن على ذاته. ومن خلال هذا المسار المشترك، يتولّد ما يصفانه بـ immersive picturing، أي لغة بصرية تتحوّل فيها الفوتوغرافيا إلى تجربة يمكن الدخول إليها لا مجرد تأملها. يتعايش الماضي والحاضر والمستقبل داخل إطار واحد، ليشكّلوا سردية متصلة بدلاً من تسلسل خطّي.

تتجلى هذه الفلسفة بأوضح صورها في Bridge in Time، وهي سلسلة من خمسة أعمال مركّبة مستوحاة من رموز معمارية عربية تاريخية. يستكشف كل عمل نموذجاً مكانياً وثقافياً أولياً، يُعاد تخيّله من خلال هذه الرؤية المزدوجة بين التوثيق والاستشراف. يتحول الفناء، المستلهم من Bab Al Shams، إلى فضاء للتلاقي يتجاوز حدوده الفيزيائية، حيث تتضخم روح الضيافة إلى امتداد يكاد يكون لانهائياً. أما العتبة، المستلهمة من بوابة Expo، فتعكس التوتر الصامت للحظة الانتقال. ويُصوَّر Infinity Bridge كهيكل وكاستعارة في آن، خيطاً رابطاً بين الأجيال والتواريخ والمستقبلات. وفي موضع آخر، يستلهم Coral Wall التراث المعماري الساحلي للإمارات، ليعيد تفسير حجر المرجان التقليدي بوصفه شكلاً حياً متجدداً، كائناً بقدر ما هو بنية. وأخيراً، ترتكز Mosque of Light السلسلة في إيقاع وروحانية، حيث يمتد حضورها إلى ما وراء المادي، نحو أفق أكثر شفافية وخلوداً.

عبر الأعمال الخمسة جميعها، تظل اللغة البصرية متسقة: لا يُنظر إلى التراث كشيء يجب حفظه في حالة سكون، بل كأساس حي تنبثق منه مستقبلات جديدة. وهي فلسفة تنسجم بسلاسة مع برنامج Made of Makers من Jaeger‑LeCoultre، الذي يواصل ترسيخ مكانة الدار عند تقاطع الفن والحرفة والابتكار. من خلال دعوة مبدعين من مجالات متنوعة مثل فنون الطهو والموسيقى والفن الرقمي والعمارة، يعيد البرنامج صياغة المفاهيم التقليدية للحِرفية بوصفها ممارسات متجددة. وعلى غرار صناعة الساعات نفسها، حيث تُعاد قراءة تقنيات عريقة عبر تقنيات حديثة باستمرار، يؤكد The Image Tellers إيماناً مشتركاً بأن التراث الحقيقي لا يكمن في النظر إلى الوراء، بل في حمله إلى الأمام.

بالنسبة للموساوي، الذي تمتد مسيرته لأكثر من عقدين في التصوير والتصميم والصحافة البصرية، يمثّل المشروع امتداداً لاستكشافه المستمر للمكان والهوية. فقد سعى عمله إلى توثيق النسيج الحضري سريع التحوّل في الإمارات، موثقاً تفاصيل مشهد حضري في حالة تحوّل دائم. أما القويز، المهندسة التي تحوّلت إلى فنانة رقمية، فيمثّل المشروع امتداداً لبحثها المتواصل في تقاطع الذكاء الاصطناعي مع السرد الثقافي. وتضع ممارستها التقنية لا كقوة مقلقة، بل كأداة لإعادة تخيّل التراث.

معاً، يقفان عند طرفي الطيف ذاته: أحدهما متجذر في الملاحظة، والآخر في الإسقاط. وتصبح الصورة نقطة الالتقاء. ومن خلال إعادة صياغة الفوتوغرافيا كسجل وإمكانية في آن، يطرح The Image Tellers سؤالاً أكثر اتساعاً: ليس فقط ما هي الصور، بل ماذا يمكن أن تصبح. وبهذا، يقدّم إجابة لافتة: حتى في زمن الإنتاج البصري اللامحدود، تظل أكثر الصور قيمة هي تلك التي تحمل الزمن في داخلها.

Privacy Preference Center