في الصمت الشعائري المهيب الذي يحيط بنهايات العصور الكبرى، ينعى عالما العمارة والهندسة فرانك غيري. ذلك المعماري الذي حرّر التيتانيوم والزجاج من سطوة الزوايا القائمة، لم يكن يوماً مجرد بَنّاء، بل كان سيّدًا في فنّه، يتعامل مع الفضاء الحضري كمنصة تتسامى فوقها أعمال متفرّدة.

كان كل عمل من أعماله تحفة مقتناة استثنائية، حيث تلتقي عبقرية الشكل مع انضباط المواد النبيلة. ووفاءً للرجل الذي منح التفكيكية نسبها الفني الراقي، تعود Eyes Magazine إلى استعراض الأعمال التي، بفضل ابتكارها التقني وفخامتها الجوهرية، رسخت لنفسها مكانة خالدة في تاريخ الحِرف الرفيعة والتميّز الاستثنائي.

متحف فيترا للتصميم

 في ألمانيا يقف أول مشروع أوروبي بارز لفرانك غيري، معلنًا نقطة تحوّل حاسمة في مسيرته، حيث بدأ من خلاله ترسيخ أسس لغته التفكيكية على مستوى متحف عام. تبدو الكتل وكأنها تنثني وتتشابك مثل منحوتة حيّة، فيما تتحاور الواجهات المعدنية والزجاجية مع الضوء الطبيعي في مشهد بصري متغيّر.يكشف متحف فيترا للتصميم عن افتتان غيري الدائم بجوهر المادة وملمسها، وبحرية الشكل المتحرّر من القيود التقليدية. هنا لا تُشيَّد العمارة فحسب، بل تُنحت وتتحوّل إلى تجربة بصرية تحتفي بالمادة والحركة والضوء، لتجعل من المبنى نفسه عملاً فنّيًا متفرّدًا.

مؤسسة لويس فويتون

في باريس، قدّم فرانك غيري للعالم بيانًا معماريًا عن الخفة والحرية من خلال مؤسسة لويس فويتون. وسط غابة بولونيا الوارفة، تخيّل صرحًا يتهادى بين السماء والأرض، ساعيًـا وراء هاجسه الدائم بالخفة وانسيابية الشكل. اثنا عشر شراعًا زجاجيًا فريدًا، ترتكز على هياكل من الخشب الرقائقي المُصفّح والفولاذ، تلتقط الضوء وتعكسه وتوزّعه، وقد حُسبت كل زاوية فيها بدقة متناهية لتحقيق التوازن بين الجمال والاستقرار والشفافية.

هذه المؤسسة ليست مجرد مبنى، بل تجسيد حي لشعرية العمارة الحضرية؛ حيث تتحوّل المادة إلى إحساس، ويتحوّل الفراغ إلى منحوتة معلّقة بين الزمن والفضاء. هنا تصبح الخفة، المصاغة عبر هندسة صارمة، ترفًا ملموسًا. فالعمارة، بدل أن تهيمن على المشهد، ترتقي بأفق باريس، مؤكدةً استمرارية لغة غيري التي لا تخطئها العين.

متحف غوغنهايم بلباو

قبل أعوام، كان غيري قد عبر بالفعل عتبة حاسمة مع متحف غوغنهايم بلباو. ففي حين تستكشف مؤسسة لويس فويتون مفهوم الخفة، يجسّد هذا المتحف قوة الشكل وسطوة الكتلة. خلف المنحنيات المذهلة والكتل العضوية التي توحي بأنها صاغتها الرياح، تتوارى هندسة فائقة التعقيد. كل انحناءة، كل طيّة، وكل سطح من التيتانيوم صُمّم بدقة متناهية ليتحمل المتطلبات الإنشائية، مع الحفاظ على سيولة بصرية تبدو وكأنها تنبثق بلا عناء.

ولتحويل رؤاه النحتية إلى واقع ملموس، اعتمد غيري على برنامج CATIA، وهو نظام طُوّر في الأصل لصناعة الطيران. فقد جرى تحويل كل منحنى مرسوم باليد الحرة إلى مخططات إنشائية مضبوطة بدقة ملليمترية، تحدّد الأبعاد والزوايا والموضع الدقيق لكل لوح من ألواح التيتانيوم. وهكذا غدا المتحف حصيلة جرأة مفاهيمية وانضباط تقني صارم، ذلك التوتر الخلّاق بين حرية الإبداع وصلابة الانضباط هو ما يمنحه فرادته الاستثنائية.

متحف غوغنهايم أبوظبي

في السنوات الأخيرة من حياته، كرّس فرانك غيري نفسه لمشروعٍ استثنائي الحجم والرمزية: متحف غوغنهايم أبوظبي. ومرة أخرى، قاد هوسه بالضوء والزجاج كل قرار معماري، ليصوغ كتلًا جريئة تتماوج مع شمس الخليج وأفقه. وقد تم تصور المبنى ككوكبة من المخاريط المتفرّدة، ليكون الخاتمة الكبرى لمسيرته، جامعًا بين نزعة التفكيك المعماري وإيماءات دقيقة إلى التراث المحلي. ورغم أن فرانك غيري لن يشهد اكتمال هذه التحفة الأخيرة، فإن متحف غوغنهايم أبوظبي — حتى وهو في طور التشكّل — يبقى شاهدًا حيًا على رؤيته الراسخة التي لا تعرف المساومة، وعلى سعيه الدائم إلى دفع حدود العمارة نحو آفاق أبعد من المألوف.

منزل غيري (The Gehry Residence)

غير أنّ البدايات الحقيقية كانت في حميمية منزله في سانتا مونيكا. هناك، وعلى بيتٍ متواضع في ضاحية هادئة، رسم فرانك غيري الإيماءات الأولى التي ستصوغ توقيعه المعماري الخالد، مُغلِّفًا المألوف بمواد خام، ومحوِّلًا الفضاء إلى بيانٍ مفاهيمي متوهّج بالفكرة. ذلك الفعل الافتتاحي كشف جوهر فلسفته: فالقيمة، في عالم غيري، لا تنبع من المادة ذاتها، بل من الحرية في إعادة ابتكارها. وهنا تحديدًا، تشكّل لأول مرة الفضاء الجمالي الذي سيغدو لاحقًا بصمته العالمية المميّزة.

يترك فرانك غيري إرثًا يتخطّى حدود البناء التقليدي. من مسكنه التجريبي في سانتا مونيكا، إلى التموجات النحتية لمتحف غوغنهايم في بلباو، وصولًا إلى الخفة الشعرية لمؤسسة لوي فويتون، يتجلّى كل مشروع كمنحوتة مأهولة وسيمفونية من الجرأة والبراعة. تذكّرنا أعماله بأن العمارة ليست مجرد مواد أو كتل، بل رؤية وحرية وعاطفة. لقد حوّل غيري العادي إلى استثنائي، والمعدن والزجاج إلى لغة شعرية متدفّقة، والمدينة إلى مسرح حيّ لإبداعاته.

Privacy Preference Center