في صباح لندني مبلل بالمطر، يبرز شكل يبدو وكأنه لا ينتمي إلى الموضة بقدر ما ينتمي إلى المدينة نفسها. معطف trench، بحزام معقود على نحوٍ غير متكلّف، وياقة مرفوعة بالقدر الكافي لمواجهة الطقس، أصبح جزءاً من هذا الإيقاع اليومي. ومع ذلك، فإن إرث هذا المعطف الفاخر لم يبدأ هنا، في مسرح الأناقة الحضرية، بل في ضرورة الوظيفة. مع مطلع القرن العشرين، طوّر Thomas Burberry قماش gabardine، وهو نسيج محكم ومقاوم للعوامل الجوية أعاد تعريف مفهوم الملابس الخارجية الفاخرة. صُمم في الأصل للمستكشفين والضباط العسكريين، ثم تبلور شكل المعطف الذي سيُعرف لاحقاً باسم trench خلال الحرب العالمية الأولى، حين تم اعتماده من قبل الجنود البريطانيين في الخنادق. إلا أنه، وعلى عكس العديد من القطع العسكرية التي بقيت حبيسة التاريخ، كان هذا المعطف قد انتقل إلى الحياة المدنية بحلول فترة ما بين الحربين، محتفظاً بانضباطه مع اكتسابه مسحة من العفوية. وهكذا أصبحت Burberry مرادفاً لنوع خاص من الرصانة البريطانية، تلك التي ترفض المبالغة وتستمد قوتها من ضبط النفس المطلق.
وبمناسبة مرور 170 عاماً على ابتكاره، يُعد معطف Burberry trench من القطع القليلة التي تجاوزت مفهوم الموضة بالكامل. فهو لا يخضع لدورات الصيحات كما تفعل معظم الملابس، بل يقف إلى جانب مفهوم Cool Britannia style نفسه، في منطقة تتقاطع فيها الوظيفة مع الحِرفية، ويتشكّل فيها بفعل الطقس والحركة بقدر ما يتشكّل بفعل التصميم. ضمن هذا الإرث، يُمثّل trench توقيعاً وطنياً قائماً بذاته، واستمراره يعود إلى وفائه لفكرة محددة من الحِرفية تضع النزاهة قبل أي انقطاع. عبر العقود والقارات وسياقات ثقافية مختلفة تماماً، حافظ على سلطته في عالم الملابس الخارجية الفاخرة. على Humphrey Bogart في فيلم Casablanca، أصبح رمزاً عالمياً للأناقة الرجالية، ولاحقاً على Kate Moss اكتسب إيقاعاً مختلفاً، بينما بقي المعطف نفسه دون تغيير.
تحتفي حملة Burberry الجديدة The Trench: Portraits of an Icon بحِرفية هذا المعطف التاريخي، حيث يُعاد تقديمه وتكريمه برؤية المدير الإبداعي Daniel Lee. تجمع الحملة أسماء بارزة من عالم السينما والموسيقى والموضة، من بينهم Jonathan Bailey وKate Moss وKendall Jenner وRosie Huntington-Whiteley. وهي مقاربة مناسبة، لأن trench لم يكن يوماً حكراً على سردية واحدة، بل جرى تبنّيه وتكييفه ودمجه في حيوات بعيدة تماماً عن أصوله، مع احتفاظه دائماً بحس بريطاني واضح.
هناك ميل اليوم إلى التعامل مع القطع التراثية في الموضة بوصفها شيئاً يُعاد اكتشافه أو إحياؤه. غير أن Burberry لا تحتاج إلى إحياء على الإطلاق. فمعطف trench يواصل حضوره في العالم، مكتسباً معاني جديدة دون أن يتخلى عن جذوره. ينتمي بسهولة إلى لندن كما ينتمي إلى نيويورك وباريس ودبي. يظل ما كان عليه دائماً، معطفاً بلا شك، لكنه أيضاً مقياس لمستوى من الحِرفية، وانعكاس لهوية وطنية. وربما الأهم من ذلك، تذكير بأن الرفاهية الحقيقية تحافظ على حضورها بهدوء عبر الزمن.





