
من المرجّح أنك صادفت أعمال Werner Bronkhorst من دون أن تدرك ذلك: ومضة من طلاء كثيف الملمس، شخصية مصغّرة في لحظة حركة، أو مشهد طبيعي يبدو في آنٍ واحد واسعاً وحميمياً. ورغم الانتشار السريع لصور أعماله على الإنترنت، فإن العالم الذي يقف خلفها تشكّل ببطء. وفي حديث مع الفنان المولود في جنوب أفريقيا والمقيم في سيدني، قبيل افتتاح معرضه الأول في دبي بعنوان CRACK، يتضح أن ممارسته الفنية، بطبقاتها المتعددة ووعيها العميق واتساعها العاطفي، لم تُبنَ يوماً من أجل الخوارزميات، حتى وإن أتقنت التعامل معها.
يقول لـ Eyes Arabia في صباح شتوي بارد في Alserkal Avenue، قلب المشهد الثقافي في دبي: «أنشر على إنستغرام وحده منذ 11 عاماً». وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، في الواقع، العمود الفقري لممارسته الفنية. ففي عالم فني يمتد عبر آلاف السنين، ينتمي Bronkhorst إلى جيل نشأ وهو يمتلك شيئاً غير مسبوق إلى جانبه: الوصول المباشر. «كوني شاباً أدخل عالم الفن، كان من المثير جداً امتلاك أداة بقوة وسائل التواصل الاجتماعي، لأنني أستطيع الوصول إلى جمهور عالمي بضغطة زر». هذا الوصول أعاد تشكيل ليس فقط طريقة تداول أعماله، بل أيضاً طريقة صنعها. فبالنسبة له، ليست العملية طقساً خاصاً محصوراً داخل الاستوديو، بل هي جزء لا يتجزأ من العمل الفني نفسه. يعترف قائلاً: «إذا لم أستطع نشر مراحل العمل أو مشاركة أي تفاصيل حول كيفية إنجاز القطعة، أشعر حينها أنني قد لا أكون بحاجة إلى إنجازها أساساً».

قد يبدو هذا التصريح راديكالياً في أوساط أكثر تقليدية، لكنه هنا يبرز كفلسفة هادئة. فمقاطع الفيديو التي يوثق فيها مراحل العمل، والتي حصد بعضها ملايين المشاهدات، ليست محتوى تسويقياً بالمعنى الشائع. يقول: «مشاركة كل خطوة لا تقل أهمية عن النتيجة النهائية. الناس لا يرون فقط كيف أُنجز ما أُنجز، بل أيضاً لماذا أفعل ما أفعل». وتخدم هذه الشفافية غاية أخرى بات يقدّرها هواة الاقتناء أكثر فأكثر. يوضح: «عندما يرون عمليّة الإنتاج وكل ما مررت به لإنجاز ذلك العمل الفني، تتكوّن شفافية عميقة تمنحهم يقيناً بأصالته». في عالم تتداول فيه الصور بحرية، يصبح كشف البنية التحتية للعمل شكلاً من أشكال إثبات الملكية الفنية.I
ومع ذلك، يدرك Bronkhorst تماماً التوتر القائم بين السرعة والحِرفة. فالمنصات الاجتماعية تتطلب حضوراً يومياً، بينما يحتاج الرسم إلى وقت. يقول: «قد يستغرق العمل الواحد أسابيع، إن لم يكن أشهراً». والحل، بالنسبة له، لا يقوم على المساومة بقدر ما يقوم على الإيقاع. فمن خلال مشاركة مراحل مختلفة، بدايات، أجزاء، وأعمال مكتملة من أشهر سابقة، يتفادى ما يسميه ضغط «الإنتاج المحموم». يظل الإيقاع إنسانياً. وهذا الاحترام للحرفة هو ذاته ما جذبه إلى التعاون مع أسماء عريقة في مجالات الرياضة والصناعة. فالعمل مع Red Bull، وبطولات العالم للألعاب المائية، وLando Norris، وPorsche، لم يوسّع نطاق حضوره فحسب، بل عمّق أيضاً إحساسه بالحجم. يقول: «من الرائع فعلاً العمل مع شركات تنظر إليها بإعجاب، بسبب حرفيتها، واهتمامها بالتفاصيل، وكل الوقت والحب والتفاني الذي يوضع في ما تبتكره».
هذا التلاقي بين الزمن والدقة والهوس هو أيضاً ما يعرّف لوحاته. تلتقط أعمال Bronkhorst شخصيات بشرية صغيرة معلّقة داخل مناظر طبيعية شاسعة. يقول متأملاً: «الناس يتوقون إلى شيء مادي، شيء حقيقي، وشيء استغرق وقتاً في إنجازه. أنا أرسم أشخاصاً، وأرسم قصصهم». يروي لنا قصة امرأة وقفت ذات مرة أمام لوحة لعدد من المتزلجين وبدأت بالبكاء. يتذكر: «قالت إنها ذكّرتها برحلتها الأخيرة مع ابنها قبل أن يمرض». ويضيف: «هي لحظات صغيرة قد تبدو غير ذات أهمية لبعض الناس، لكنها تعني العالم كله لآخرين». قد تكون شخصياته صغيرة حجماً، لكن ثقلها العاطفي ليس كذلك. يقول: «هي لحظات صغيرة حرفياً، لكنها كبيرة جداً».
هذه الحساسية تجاه المقياس هي ما يجعل دبي مكاناً طبيعياً لعرض CRACK. فالمجموعة متجذرة بعمق في مشاهد الصحراء: جمال تعبر مساحات مفتوحة، ملاعب تنس طينية متشققة، ومتسلقو صخور معلّقون على أسطح محروقة بالحرارة. يوضح: «مجموعة CRACK منغمسة بالكامل في المناظر الصحراوية والأراضي الحارة الأخرى. لذلك، فإن العرض في مكان يتطلع إلى المستقبل ويحب الفن والثقافة يجعل هذا الموقع مثالياً بالنسبة لي».








