قبل أن يصادف الزائر أي قطعة أثرية، يعلن متحف زايد الوطني عن حضوره عبر التصميم وحده. يرتفع المتحف على الواجهة الثقافية لجزيرة السعديات، مترجماً هوية دولة الإمارات إلى شكل وضوء ومقياس جريء وواضح. افتتح أبوابه للجمهور في أواخر عام 2025، وسرعان ما رسّخ مكانته كمنارة ثقافية تجمع بين التاريخ والتصميم.

صُمم المتحف على يد Norman Foster، ويتكوّن من خمسة أبراج فولاذية شاهقة تخترق السماء بزوايا مدروسة، مستلهمة هيئة أجنحتها من انبساط جناحي الصقر. هذه الأبراج ليست رمزية فحسب، بل تؤدي وظيفة بيئية دقيقة؛ إذ تعمل كمداخن حرارية تسحب الهواء الساخن إلى الأعلى، ما يساهم في تبريد المساحات الداخلية طبيعياً. إنها استدامة مندمجة في الرمزية، وإنجاز حداثي متجذّر بوضوح في منطق المنطقة المناخي.

بكسوة لونية تعكس تدرجات المشهد الصحراوي، يجلس المبنى في حوار هادئ مع محيطه، يلفت الانتباه دون أن يطغى على المؤسسات المجاورة في الحي الثقافي بجزيرة السعديات. وعلى مسافة قريبة من متحف اللوفر أبوظبي، وظاهرة تيم لاب أبوظبي (مشروع فنون رقمية وتجريبية)، وبيت العائلة الإبراهيمية، ومتحف التاريخ الطبيعي أبوظبي، يميّز المتحف نفسه عبر الرصانة لا الاستعراض، حيث تكمن قوته في أدق التفاصيل.

في الداخل، تتحول لغة التصميم إلى طابع تأملي؛ تتكشف القاعات بتناغم مدروس بين الضوء والظل، مستخدمةً الانكماش والاتساع المكاني لتوجيه الزائر عاطفياً بقدر ما توجهه جسدياً. يتسلل الضوء الطبيعي عبر فتحات معمارية تستحضر أساليب التبريد والإضاءة الإماراتية التقليدية، فيما ترسّخ المواد المعاصرة من الفولاذ المصقول إلى الحجر والخشب التجربة في حداثة واعية، تُمنح المعروضات هنا مساحة للتنفس.

في قسم “بدايتنا” المخصص للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يُستخدم المقياس بحذر، لتترك القطع المحورية مثل سيارة كرايسلر السوداء الأيقونية الخاصة به ثقلها السردي يتحدث بذاته. ومع الانتقال إلى فترات أقدم زمنياً، تصبح اللغة البصرية أكثر حسّية؛ إذ يعتمد معرض “أسلافنا” درجات لونية داكنة، وأسطحاً ملمسية، وإضاءة منخفضة تستحضر عمقاً أثرياً واضحاً. وبالقرب منه، يندمج جزء معاد بناؤه من قبر هيلي الكبير في العين بسلاسة ضمن العمارة الداخلية، في تماهٍ لافت بين تصميم العرض والبيئة المبنية. حتى أصغر القطع، مثل اللؤلؤة الوردية التي يعود تاريخها إلى 8000 عام، تُعرض بدقة مسرحية متقنة.

في مدينة تتطلع دوماً إلى المستقبل مثل أبوظبي، تحضر التكنولوجيا ضمن التصميم بحسّ مدروس. في معرض “من خلال روابطنا”، تتكامل الشاشات التفاعلية بسلاسة داخل الجدران والطاولات، محافظةً على استمرارية المشهد البصري، ومضيفةً بعداً حيوياً للاكتشافات الأثرية. تجربة غامرة دون أن تكون اقتحامية؛ سرد رقمي يكمّل الفضاء المادي بدلاً من أن ينافسه.

أما اللحظة الأكثر سينمائية فتتجلى في “على سواحلنا”، حيث تنفتح القاعات لتعكس امتداد البحر. تُستعرض تقاليد صناعة السفن والملاحة والغوص بحثاً عن اللؤلؤ عبر طبقات عرض متعددة وعناصر معلّقة وخطوط رؤية منسابة. تتبدل الإضاءة بخفة لتحاكي حركة الماء، بينما تمنح الإسقاطات البصرية واسعة النطاق قصص الملاحين العرب مثل ابن ماجد حضوراً معاصراً نابضاً بالحياة.

ما يميز متحف زايد الوطني حقاً هو ثقته في السرد المعماري. فبدلاً من الاتكاء على الإبهار، يوظف المتحف النِّسب والمواد والذكاء البيئي لإيصال المعنى. كل قرار تصميمي يبدو متجذّراً في المكان بأسره. وفي دولة باتت تُعرَف بهياكلها الأيقونية، يبرز المتحف لا لأنه الأعلى صوتاً بل لأنه الأعمق أثراً؛ مبنى يدعو زائريه إلى التمهّل والتأمل واكتشاف كيف يمكن للتصميم أن يحمل الذاكرة والهوية والرؤية الوطنية إلى المستقبل.

Privacy Preference Center