
لم تعد الدوحة تدور على هامش المشهد الفني العالمي. ففي فبراير 2026، تتقدّم بثقة إلى مركزه. مع إطلاق Art Basel Qatar، تتحوّل العاصمة القطرية إلى الركيزة الخامسة ضمن كوكبة Art Basel، إلى جانب بازل وميامي وباريس وهونغ كونغ. وهو أوّل معرض جديد لآرت بازل منذ أكثر من عقد، وأول موطئ قدم للعلامة في الشرق الأوسط—خطوة لا تعبّر عن توسّع لمجرّد التوسّع، بل عن إعادة ضبط لمكان تموضع الثقل الثقافي في العالم اليوم.
أُعلن عن المبادرة خلال الدورة الخامسة والخمسين من Art Basel، في موسم طغى عليه فيض من الأعمال البارزة والأرقام القياسية للمبيعات. وقد جاء التوقيت محسوباً بدقّة، فيما بدا المنطق الكامن خلفه نتاج مسار طويل من التراكم المدروس.
وصول آرت بازل إلى قطر ليس رهانا افتراضياً، بل خلاصة طموح ثقافي مستدام تدعمه الدولة. فعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، استثمرت قطر في بناء منظومة ثقافية متكاملة، لا في مؤسسة واحدة لافتة. من المتاحف إلى الفن العام، ومن العمارة المدنية إلى الفضاءات المفتوحة، تغلغلت الثقافة في النسيج الوطني عبر شراكات مع أبرز المعماريين والقيّمين الفنيين في العالم. ويأتي متحف لوسيل المرتقب، بتصميم Herzog & de Meuron، والذي سيضم إحدى أهم مجموعات الفن الاستشراقي عالمياً، كتعبير أوضح عن هذه الرؤية—أُعلن عنه بالتوازي مع Art Basel Qatar بوصفه بيان نوايا متكامل، يرسّخ الدوحة محوراً جديداً للجاذبية الثقافية العالمية.

فيما تظلّ Art Basel المنصّة الأكثر تأثيراً في سوق الفن الأوّلي عالمياً، تقترح نسختها القطرية أفقاً أوسع من الدور التقليدي. ستكون الدوحة نقطة الارتكاز، غير أنّ الطموح معلَن بوضوح بوصفه إقليمياً. فـArt Basel Qatar تتموضع كمنصّة لمنطقة MENASA، الممتدّة من شمال أفريقيا مروراً بالشرق الأوسط وصولاً إلى جنوب آسيا، مانحة الفنانين وصالات العرض والقيّمين فضاءً عالمياً طال انتظاره.
ويعكس شكل المعرض هذا التحوّل. فبدلاً من استنساخ شبكة الأجنحة التقليدية، تعتمد Art Basel Qatar نموذجاً قيّماً ومفاهيمياً، يسمح للمدينة نفسها بأن تعمل كمساحة عرض موسّعة. ستتشكّل شبكة مترابطة يسهل التنقّل فيها تضمّ أماكن ثقافية مثل M7، وحيّ التصميم في الدوحة، والساحات العامة في مشيرب، لتحتضن معارض وتدخّلات فنية ولقاءات، في تماهٍ متعمّد بين المعرض والمجال العام.

وقد عُيّن الفنان المصري وائل شوقي مديراً فنياً للدورة الافتتاحية، التي ستُقام تحت عنوان Becoming. يتمحور المفهوم حول التحوّل والهوية والقوى التي تصوغ الحياة المعاصرة، في طرح يبدو متناغماً بعمق مع منطقة تفاوض إرثها التاريخي وفرط حداثتها في آن. والأهم أنّ هذا المعرض لا يُملى على محيطه؛ إذ جرى تطوير Art Basel Qatar عبر حوار وثيق مع أصوات محلية وإقليمية، بما يضمن أن يعكس تاريخ السياق وإيقاعه الفكري، لا أن يستورد نموذجاً جاهزاً.
وعند انطلاقه، سيدخل Art Basel Qatar تقويماً إقليمياً حيوياً يضمّ Art Dubai وAbu Dhabi Art وDiriyah Biennale. ومعاً، تعيد هذه المنصّات تشكيل دور الخليج في المنظومة الفنية العالمية، لتغدو الدوحة مختبراً مفتوحاً للفن المعاصر.





