في زمنٍ باتت فيه الفخامة معرضة للانجراف نحو الإنتاج الكمي والوتيرة التجارية المتسارعة، تظل بوتشيلاتي استثناءً لافتًا—هادئة، متأنية، ومخلِصة لليد التي تصنع. فالدار الإيطالية، التي تأسست عام 1919 وتُعرَف بحِرَفية الذهب الدقيقة، والنقوش المخرّمة الشبيهة بالدانتيل، والفضيات ذات الطابع النحتي، تدخل اليوم فصلًا جديدًا، تصبح فيه منطقة الشرق الأوسط لوحةً وإلهامًا في آنٍ واحد.

وفي هذا الموسم ضمن فعاليات “داون تاون ديزاين دبي”، قدّمت بوتشيلاتي رسالة تخطّت حدود تصميم الجناح. فبرؤية الرئيس التنفيذي نيكولا لوكسينغر، كشفت الدار عن كونها الفضي في المنطقة بطريقة تجمع بذكاء بين جذورها التاريخية وروح المعاصرة الجريئة. فبالنسبة لبوتشيلاتي، لم يكن تقديم مجموعتها الفضية في دبي مجرد عرضٍ بصري، بل حوارًا حيًا ومفتوحًا مع الجمهور. وقد وفّر “داون تاون ديزاين”، المنصة الأبرز للتصميم المعاصر في المنطقة، السياق المثالي لهذا الحوار.

“نؤمن بأن هناك إمكانات هائلة لعالم الفضة لدينا في الشرق الأوسط”، يقول لوكسينغر لـ Eyes Arabia. “أردنا أن يرى العملاء أن العيش مع الفضة أمر يسير، وأنها قادرة على الارتقاء بكل تفاصيل الحياة اليومية”. ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، تعاونت بوتشيلاتي مع الثنائي الشهير David/Nicolas، المصممين اللبنانيَّين المقيمين في ميلانو، والمعروفين بقدرتهما على مزج الرجعية المستقبلية بدفء المتوسّط. وبعد نجاح التعاون الشتوي السابق في الجبال، كان الانتقال نحو دبي خطوة طبيعية. ولأجل المعرض، ابتكر الثنائي جناحًا مستوحى من أحد أكثر رموز بوتشيلاتي تعبيرًا: الصدفة المخرّمة بالفضة، معاد تخيّلها عبر تدرجات لونية مستمدة من دفء المعادن الصحراوية.

وفي زمن يمكن فيه تصنيع الفخامة على نطاق واسع، تظل بوتشيلاتي متمسكة بفن الصنعة. “الحرفية هي جوهر كل ما نقوم به”، يوضح لوكسينغر. “تصنع قطعنا في ورشتنا المخصّصة للفضة قرب بولونيا، حيث تمرّ كل قطعة بين أنامل الحرفيين من الفكرة حتى الصقل الأخير”. فضة بوتشيلاتي ليست مصممة لواجهات جامعي التحف، بل لحميمية المساحات المعيشة. فطاولة بوتشيلاتي اليوم أقل رسمية وأكثر شخصية، تُزيَّن بكؤوس زجاجية ملوّنة من مراكش، وأقمشة منسوجة يدويًا من الهند، وبورسلان موروث، وكلها ترتكز على ثِقل الفضة المحفورة التي تحمل لغة اللمس. إنّها الفخامة كتعبير، لا كبحث عن الكمال.

“هذه القطع تعيش لأجيال”، يقول لوكسينغر، “لكنها تتناغم أيضًا بشكل رائع مع انتقائية أساليب الضيافة الحديثة”. ولدى بوتشيلاتي، لن تحل السرعة محل الروح يومًا. “لا يمكن لآلات أن تصنع قطعنا ببساطة”، يضيف لوكسينغر. “تشعر بذلك فورًا، ذلك الاختلاف الإنساني الذي يغدو سرّ الجمال”. وفي عالم ينساق نحو التشابه الخوارزمي، يبدو خيار بوتشيلاتي في الحفاظ على العمليات الطويلة والمتطلبة فعلًا شبه راديكالي. ويصاحبه واجب أيضًا؛ فالدار تعمل بنشاط على تدريب الجيل الجديد من الحرفيين الإيطاليين لحماية تقنيات قد تختفي لولا هذا الجهد.

قلة من الدور تتقن فنّ التطوّر بالموازنة ذاتها بين التبجيل والتجديد التي تتحلّى بها بوتشيلاتي. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى استمرار القيادة العائلية في رسم ملامح الدار. فكلّ من أندريا بوتشيلاتي، ممثّل الجيل الثالث، ولوكريتسيا بوتشيلاتي، من الجيل الرابع، يواصلان دورهما كحُماة للإبداع، يحافظان على رموز الدار ويدفعان لغتها الجمالية لتزدهر في القرن الحادي والعشرين. وفي سوقٍ متخم بالفخامة، تقدّم بوتشيلاتي ما هو أندر بكثير: الأصالة، والإرث، وقوة اليد البشرية التي تعمل بصمت وعمق. أمّا الشرق الأوسط، فيقدّم في المقابل ما لا يقلّ قيمة: مستقبلًا للحِرَفية ما زال يؤمن بالوقت.

Privacy Preference Center